مريم عيتاني
مع اقتراب السابع من حزيران تشعر وكأن الإعلانات تحاصرك من كل جانب. تحاول الهرب منها قليلاً فتنظر إلى الأعلى، تتذكر أن "السما زرقا" و"الشمس صفرا"، فتقرر أن تستسلم وتبدأ مرة أخرى عملية التنازل عن المزيد من الأشياء التي تخصك. وبعد أن تتخلص من ثيابك ومتعلقاتك الزرقاء والبرتقالية والحمراء والخضراء والصفراء، تبتعد عن الشمس والسماء وتتجنب الحديث عن المستقبل أو التغيير أو المقاومة؛ لكنك وفي محاولة للتفاؤل، لا تنكر أن للإعلانات إيجابيات: لقد رسمت، مع كل القلق الذي تثيره الانتخابات، ابتسامة على وجه المواطن، كما أنها أثبتت أن التيارين الرئيسيين المتنافسين، على الرغم من كل ما أحدثاه من تراجع في الأداء والخطاب السياسي، قادران على المنافسة الجدية في مجال ما. ـ
كانت أولى الإعلانات ربما إعلانات ملفتة للتيار الوطني الحر في بداية مهلة الترشح للانتخابات: "شو ما كان لونك، فكّر صحّ" مع خلفيات ذات ألوان متغيرة. "غلطة الشاطر بألفين وتسعة". "تيصحّ الوطن، فكر صح". فيرد عليها إعلان للقوات اللبنانية "تيصحّ الوطن، بدّه حكيم"! والإعلانات لا ترحم، تحاول استغلال أية كلمة ممكنة للغمز والإشارة والرد على الطرف الآخر. ـ
ثم كانت إعلانات تيار المستقبل. كثيرة لدرجة تجبرك على النظر إليها على الرغم من عدم وجود أي مميز أو جديد فيها. خلفيات زرقاء ثابتة، وعبارات كتبت بالأبيض العريض: "لتعرف المستقبل، عليك أن تصنعه". "المستقبل هو حيث تمضي ما تبقى من حياتك"... رد عليها التيار الوطني الحر بيافطات زرقاء، في وسطها نزع الأزرق بمربع برتقالي هو لون التيار الوطني الحر، وكتب: "لا مستقبل إلا بالتغيير". ـ
لا تنتشر الإعلانات ضمن حملة واحدة، وهي تتغير وتتجدد بوتيرة متسارعة مع اقتراب الانتخابات. يسأل التيار الوطني الحر قرب المطار: "مَ طار 49 مليون دولار؟ ..." ويسأل عن "الفرق بين "التغيير" و"التعتير"؛ بين الـ"صح" والـ"غلط"؛ يعود تيار المستقبل أيضاً بحملة أخرى، على نفس النمط السابق العادي من حيث المضمون لكن بوتيرة تحاصر المواطن، "الإقتصاد أولاً، الانتخاب أولاً"؛ "المؤسسات أولاً، إنتخب أولاً"، "العمل أولاً، إنتخب أولاً"... ـ
لم تكتف الإعلانات بملء السماء، بل طالتها، إذ أطلق تيار المستقبل حملة "السما الزرقا"؛ "ما بيرجعوا والسما زرقا" في إشارة إلى كون المعسكر المنافس على علاقة جيدة مع السوريين؛ "ما مننسى والسما زرقا"؛ ليرد عليها شعار يردده الشيعة بشكل عام وأنصار حزب الله تحديداً "حارقين سماكم والشمس صفرا". ـ

أما الانترنت فكان ميداناً آخر لإعلانات وشعارات "شعبية" بأغلبها وبمبادرات فردية و"إبداعات" شخصية، لكنها تمس بالشخصيات السياسية. هنا صورة لبهية الحريري، تم استبدال وجهها بوجه السنيورة لكن مع الإبقاء على غطاء الرأس وجسم الحريري، وعلى الشمال كتب: "زي بهية" (في إشارة إلى عبارة "زي ما هي" الشهيرة)؛ وهناك علبة من عصير الليمون، برتقالية بلون التيار الوطني الحر، وعليها صورة الجنرال ومكتوب: "100% مش طبيعي". ـ
يضاف إلى كل ما سبق، عبارات جدارية، وصور ويافطات مرفوعة بعشوائية، بمختلف المضامين والإشارات. تارة تغمز من جهة المقاومة، وطوراً من قناة "المستقبل"، مروراً بـ"العملاء والخيانة"، ووصولاً إلى التحرير والتغيير؛ يحاول الجميع أن يُشعر المواطن أن سباقاً محموماً يدور بين الفريقين على "خدمته". لكن المواطن على الأغلب قد اكتفى و"نضج" ليعلم أنها ما هي إلا محاولة إغراء، وأن السباق ليس إلا كما كل مرة، سباق في الشعارات والكلام. ـ